مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرةالحادية والستون: غار الهدهد على التوحيد


نشرت منذ سنة القراءات:325

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


حين تستعرض حادثة الهدهد تقف حائراً أمام غَيرته على التوحيد، حيث ثارت ثائرته واشتاط غضباً حين رأى أناساً خلقهم الله تعالى على فطرة التوحيد وانحرفوا عنها، وأنعم عليهم بنعمة العقل، ومع ذا كلِّه يعبدون غير الله تعالى!! وإليك ما جرى من أحداث وتحركات حين ذكر الله لنا ما فعله القائد العظيم ونبيه الكريم سليمان عليه الصلاة والسلام، خرج (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ) كعادة القادة العظماء الكبار الذين يتفقدون الصغير قبل الكبير ويتحسسون أحوالهم ويتفقدون حاجاتهم، وهذا له أثر عظيم على النفوس وبه تقوم الحياة الاجتماعية على المحبة بين القائد ورعيته.

ما هو الهدهد؟

إنه مخلوق بحجم الكف لا يتجاوز وزنه غرامات ومع هذا خُلِّد ذكره إلى قيام الساعة لما قدمه من خدمة للتوحيد، ففي الوقت الذي لاحظ سليمان عليه السلام غيابه قائلاً (مّا لِيّ لَا أَرِى الْهُدهُد) يأتي الهدهد مسرعاً يحمل الخبر الذي هزَّ أركانه وحرك وجدانه، (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) قوم يشركون بالله!!

ولعلمه لما في التوحيد من حماية للنسيج المجتمعي، فقد أيقن خطورة الموقف وعظمه، وقام بما يحمله من مسؤولية اجتماعية تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ولم يعزل نفسه عن هذه المسؤولية الكبرى، وجاء إلى نبي الله سليمان يخبره خبر القوم، ومفاد الخبر بتفاصيله: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) كل هذه التفاصيل لم يهملها الهدهد لما عنده من أمانة في إتيان الخبر ونقل المعلومة، وهذا ما ينبغي أن تتعلمه الأمة من أخلاق نقل الأخبار والصدق والدقة في نقلها، ثم ينادي بقوله -ولك أن تتخيل الحالة التي كان عليها ذاك الهدهد، وأن تعيش الحالة الصوتية التي نادى فيها وصرخ صرخة مدوية غيرة على التوحيد- أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩).

هنا تبرز حنكة القائد العظيم الذي لم يتعجل في إصدار الحكم قبل النظر في صحة ما يقوله المدعي، ثم يعيده إلى أولئك القوم وأرسل كتاباً قليل الكلمات عظيم القدر موجز العبارات مفاده (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) انتهت الرسالة بأوجز العبارات وأقلها وأخصرها، وهي رسالة تشعر القارئ بجدية الأمر وعدم الاستخفاف بمضمونها... فما كان من أولئك القوم إلا أن جيء بهم وأسلموا واتبعوا التوحيد ونبذوا الشرك وراء ظهورهم، وكل ذلك بسبب هدهد أدَّى وظيفته على أكمل وجه وأبدع صورة.

الرسالة هي: تفقد الرعية، وهدهد صادق مخلص غيور، وقائد غير متعجل، ثم نتيجة مثمرة.

د. محمد خالد السميري / من الأردن


ذات صلة