مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة السابعة والثلاثون في ظلال قوله تعالى: "لقد جاءكم رسول" بقلم الدكتور: علي سلطان الجلابنة/ من الأردن


نشرت منذ سنة القراءات:401

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


إنّ من أعظم آيات القرآن الكريم -وكلها عظيمة- ما ختم الله تعالى به سورة التوبة إذ قال سبحانه: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم"؛ ليُبين لنا مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وإرادته لهم الخير، ومواقفه التي سطرها لنا أرباب السير لا تكاد تحصى في ذلك.

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: بُعِثَ رسول الله رحمةً للبار والفاجر، فمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة.

فأوَّلُ وصْفٍ يُطالعنا في هذه الآية هو قوله: "لَقَد جاءَكم"، ففيه إشارةٌ إلى المِنَّة العُظمى والهديَّة الكُبرى من الله تعالى وهي بعثتُهُ صلى الله عليه وسلم وشُمول رَحمته تعالى وعمومها لجميع الخلق.

ثم يعقبها قوله تعالى: "مِن أنْفُسكم" أيْ جعله مِن جنسكم، وكذا جعله من ذَوي نَسَبِكُم وقرابتكم؛ ليكون أقرب إليكم.. فهو صاحبكم الذي طالت حياته فيكم وصحبته لكم فتعرفونه وتعرفون أهله وأصله، بشر تقتدون به وليس ملكًا معصومًا أو له قدرات ملائكية لا يستطيع البشر أن يقتدوا به، فيُبين الربُّ سبحانه وتعالى في هذه الصفة امتِنانه عَلى العرب وينوه بِفَضيلتهم وعلو مكانتهم عنده.

ثم ذكر صفة أخرى له فقال: "عزيزٌ عَلَيْه ما عَنتُّم" أي يَشُقُّ عَلى قَلْبِه الشَّريفِ حُزْنُكم وشَقاءُكُم ومَشَقَّتُكم، ولذا يقول تعالى في توضيح هذه الصورة الجميلة في آية أخرى: "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً"، ومعنى باخع نفسك أي مُهلكها لشدة حرصك على هداية الناس.

ثم وصفه بقوله: "حَريصٌ عَلَيْكُم" أي عَلى إيمانِكم وهُداكم حتَّى تَدخلوا الجنَّةَ. وقيل: حريصٌ عَلى كلِّ ما فيه خيرٌ لَكم، ولا يكون الإنسان حريصًا إلّا على شيء له أهمية كبيرة ومكانة علية في حياته..

ولذلك جِيء بتأكيد هذا الوَصفِ بقوله: "رَؤوفٌ رحيمٌ"؛ فقال الحسين بنُ فَضل : لَم يَجمع اللهُ لأحدٍ من الأنبياء اسمَيْنِ من أسمائه إلاّ للنبي مُحمدٍ، صلَّى الله عليه وسلم، فإنَّه قال: "بالمُؤمنين رَؤوفٌ رَحيمٌ"، وقال :"إنَّ اللهَ بالنَّاس لَرؤوفٌ رَحيمٌ"، على أنَّ الفرقَ بَينَهما أنَّ النَّبي، صلى الله عليه وسلم، لمَّا كانَ مَخلوقًا كانَت رحْمَته ورَأفتُه مَخلوقَتَيْن، فصارت مَخصوصَةً، لِضَعْفِ الخِلقة، والله تعالى لمَّا كان خالقًا كانت رأفته ورحمته غير مخلوقة لأنها من صفاته سبحانه، فكانت عامَّةً للناس لقُوة الخالقيّة.

أيّ إنسان منا أول ما يحمل همًّا فإنّه يحمل هَمَّ أولاده، أو يحمل هَمّ أهله، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحمل هَمّ أمة بأكملها فجزاه الله عنا خير ما جزى به رسولًا عن أمته.

بقلم الدكتور: علي سلطان الجلابنة/ من الأردن


ذات صلة