مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الخامس عشرة النَّظرُ في السِّيرةِ معيارُ أهلِ النَّظر


نشرت منذ سنة القراءات:355

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


أرشدَ القُرآن الكريم أهلَ الفكر والنَّظر إلى دلائلَ كثيرةٍ على صدقِ نُبوَّة الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، وكانت سيرتُهُ الطَّاهرة دليلاً على صدقِ رسالته، قال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16]، فهذه الآيةُ المكيَّة أرشدت أهلَ مكَّة إلى سيرته الطَّاهرة التي عُنوانُها الصِّدقُ والأمانة، وهما فضيلتان لا تعلو عليهما فضيلة، فهو صادقٌ  في البلاغ منعتْهُ أمانةُ التَّبليغ من القُعُود عن الدَّعوة، ولو شاءَ أنْ يزيحَ عن كاهلِهِ هَمَّ الرِّسالة لما تلا عليهم شيئاً من القُرآن ولما عرَّفهم به، بل إنَّ صدقَهُ وأمانتَهُ كانا عوناً له على تجشُّم عناء الدَّعوة والصَّير على شدَّة الإنكار! والتَّقريعُ بأَفَلا تعقِلُون تنبيهٌ إلى أنَّ السِّيرة العطرة معيارٌ لا يخطئ، فَمَنْ تفكَّر وتدبَّر أدركَ الحقَّ، ومَنْ ركبه الهوى تنكَّبَ عن جادَّة العقلاء؛ وقد كانت السِّيدةُ خديجة أوَّلَ مَنْ نظرت في سيرته للتَّدليل على صدقه من أوَّل نُزُولٍ للوحي، وهرقل ملك الرُّوم كان أوَّل ما سأل عنه هو سيرتُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام في قومه، حتَّى أنَّ الأناجيلَ المعروفة ليست سوى سِيَرٍ للسيِّد المسيح تشهدُ بصدقه وأمانته، وكانت الكتابةُ عن حياة النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غُصَّةً في حُلُوق المستشرقين وقد وقفَ جمهرةٌ منهم عند حُدُودها العطرة فكفُّوا أقلامهم عن الطَّعن في القُرآن الكريم!؛ ولأنَّ علماء الإسلام أدركوا اطِّراد قاعدة النَّظر في السِّيرة فقد أولوا عنايةً منقطعة النَّظير بالسِّيرة النَّبويَّة، وتتبُّعِ تفاصيلها في مظانِّها، فهي الدَّرجةُ الأولى في معراجِ الاستدلال على صدق النَّصِّ تليها درجةُ إثبات ظاهرةِ الوحي ثُمَّ درجةُ النَّظر في إعجازِ النَّصِّ نفسه، ومَنْ شاء اليومَ أنْ يستدلَّ على قداسة القُرآن فليتدبَّر السِّيرةَ النَّبويّة أوَّلاً قبل الانصرافِ إلى مباحث الإعجاز العلميِّ وغيرها في القُرآن، فهي الجسرُ التَّاريخيّ الذي يقرِّبُ المسافاتِ والأزمانَ بين الأجيال المتعاقبة، ومَنْ غَفَلَ عنها فاتَهُ خيرٌ كثير.

بقلم الدكتور: عبد الرحمن عبيد/ من سوريا


ذات صلة