مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الأربعون رحلتي مع القرآن الكريم


نشرت منذ سنة القراءات:389

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


حياةٌ أحياها كجميع من حولي، يومٌ يمضي وآخرُ يأتي ولا جديد إلّا تقلبُ الأيام وتجدد التاريخ، متنقلة بين فصول الحياة وتعاقبها، بين يوم أو بعض يوم من الربيع تخضرُّ فيه أوراقي وتتفتحُ أزهاري، وما ألبثُ في ربيعي سُويعات إلاّ وتأتي ريحُ الخريف وصواعقُ الشتاء حاملةً في جعابها كآبةً بلا سبب، وحزنًا وألماً وعزلةً، أبحث في ثنايا نفسي عن السبب، ما الذي همني؟ وما الذي أحزن قلبي؟ ماذا حدث؟ أمشي بين جدران غرفتي متسائلةً عن السبب، وكأني هاجرُ في سعيها بين مروة وصفا، وفي كل سعية أسعاها تقع عيني على قرآن قد وضعتُه بجوار وسادتي مهجورًا وقد غطاه الغبار، اقتربتُ منه والخجل من الله يعتريني، لمستُهُ ماسِحَةً عنه ذلك الغبار، وحين لمسته شعرت بيدٍ بيضاء تلامس قلبي وتزيل منه الحزن، أخذني ذلك الشعور إلى يقظة جميلة، أردت لها أن تبقى ولا تنتهي، فقرأتُ منه ما تيسر، وكُلما قرأت أكثر إزدادت الطمأنينة بين جوارحي، عزمت عزمًا أكيدًا على أن تسكن تلك الكلماتُ بين أضلعي، وأن يسكنَ القرآن قلبي.

قررتُ وعزمتُ أن أكونَ من الحافظين لكتاب الله ومن المطبقين لأوامره المنصرفين عن نواهيه، أن أُسكنه بين جوارحي وأمشي بأخلاقه بين الناس كقرآن يمشي على الأرض، خَطَوتُ على هذا الدرب أولى خطواتي وبدأتُ بـ "ألف لام ميم" وكأن بكل حرف أحفظه زهرة تُزهر في قلبي ونورٌ يضيء في بصري، ومضيت في دربي مستعينة بالله على من قرعوا طبول الحرب من شياطين الجن والإنس، محاولين إغوائي وهزم عزيمتي. إنّ معي ربي سيهدين، بكل سورة أحفظها وبكل جزء يسكن جسدي يجعلُ الله منه شهابًا حارقًا لأولئك الغاوين في دربي، بكل جزء يسكن جسدي يُسَخِّر الله لي بشرًا بأخلاق ملائكة، يُسمعونني من الكلمات ما يَشُدُّ أزري ويُسند روحي ويقوي عزيمتي. أيقنت أن الله وضعهم في طريقي لأُكمل ما عزمتُ عليه.

بدأتُ وكانت البداية صعبة، خَيَّلَ إليَّ الشيطانُ أنَّ ما أقوم به مستحيلًا، لكني جاهدت نفسي، بدأت بأول صفحة وأنا أشعر بفرحة تغمرني حين الانتهاء منها، وتغمرني فرحةٌ أكبر حين أنهيتُ أولَ جزء من كتاب الله، اجتاح قلبي حينها طمعٌ بالمزيد، فأنهيت الجزء الثاني، والثالث، حتى وصلت حينها إلى الجزء العشرين.

أيقنت حينها أنّ النهاية التي طالما رجوتهُا وشغفي في تحقيق حلمي قد بات أمام عيني، جاهدت نفسي مرة أخرى، على أن تكون ختمتي في ليلة القدر، جاهدت نفسي مرارًا، لكن الله لم يشأ، لم يجعل الله ذلك عبثًا، ففي قرارة نفسي أعلم تمامًا أنّ النهاية ستكون في يوم عظيم أيضًا، واصلتُ المسير، إنَّه اقتراب الحلم، الأجزاء الأخيرة، أُلقي ما حفظته من آخر الأجزاء على مسامع مشرفتي، وأنا أتذكر التعب، والجهد، والفرح الذي يغمرني، وقلبي الذي بدأ يرتجف حين وصلت إلى جزء عمَّ، إلى أن وضعني القدر في يوم عرفه، وكان هذا اليوم هو اليوم الذي أنهيت فيه حفظي لكتاب الله، كيف لا وهو يوم باركه الله، فيه الدعاء مستجاب، وفيه ترفع أعمالي إلى السماء، يرتفع فيه اسمي كحافظة لكتاب الله، أنهيت حفظي، وانهمرت دموعي كسيل فرحة بهذا الإنجاز العظيم، وقعتُ لله ساجدة شاكرة ممتنة له أنّه وضعني في طريقه، وأخذ بيدي من متاهات الدنيا إلى رِحَابِه، من شدة فرحي نَسيتُ كل دعوة أردت إخبارها لله، شعور طمأنينة، وكأني وُلِدتُ من جديد. أنهيت ما عزمت عليه بفضل من الله، تلك النهايه هي بداية لأشياء عظيمة في حياتي، فالله كان دائمًا معي بين طيات كتابه، وهو معي حتى النهاية.

بقلم الكاتبة: ميادة هوارين/ من فلسطين


ذات صلة