مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الرابعة والأربعون تأملات إيمانية في أوائل سورة عبس


نشرت منذ سنة القراءات:284

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


إنّ المتدبرَ لهذه السورة المكية المباركة ولسبب نزولها يجد فيها الآيات الباهرات، والحكم البالغات، والفوائد الجمة، فصدرُ السورة يقصُّ علينا حكاية أشرف أعمى في التاريخ إنه: عبد الله بن أم مكتوم القرشي العامري.

ذَكَرَ غَيْر وَاحِد مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوْمًا يُخَاطِب بَعْض عُظَمَاء قُرَيْش وَقَدْ طَمِعَ فِي إِسْلَامه فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبهُ إِذْ أَقْبَلَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم الأعمى الذي كَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا فَجَعَلَ يَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْء وَيُلِحّ عَلَيْهِ، وَوَدَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَته تِلْكَ لِيَتَمَكَّن مِنْ مُخَاطَبَة ذَلِكَ الرَّجُل طَمَعًا وَرَغْبَة فِي هِدَايَته.  

"عَبَسَ وَتَوَلَّى": أي عبس ببدنه وتولى ببدنه، ورغم أنّ هذا الأعمى لم يرَ ما فعله النبي إلاّ أن السميع البصير رأى وسجل لنا هذا قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة.

"أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى": عبد الله بن أم مكتوم، جاءه طالباً للهداية والتعلم. "وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى": أَيْ يَحْصُل لَهُ زَكَاة وَطَهَارَة فِي نَفْسه."أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى": أَيْ يَحْصُل لَهُ اِتِّعَاظ وَانْزِجَار عَنْ الْمَحَارِم.

"أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى":أي عن سماع الحق وقبوله. "فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى": أي فَأَنْتَ تَتَعَرَّض لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي ويقبل."وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى": أَيْ مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُل لَهُ زَكَاة.

"وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى": وهاهنا وقفة، هل رأيت أعمى من قبل يسعى، أي يُسرع الخطى؟! إن الأعمى إذا أراد أن يخطوَ خطوة واحدة يضرب بعصاه أمامه وعن يمينه وعن شماله حتى يتحرك حركة واحدة، أما هذا الاعمى فجاء يسعى، والسعي هو المشي بسرعة، فجاء ساعياً للحق لم يُعِقْهُ العمى عن ذلك، فشكر الله له سعيه وخلد ذكره.

"وَهُوَ يَخْشَى": ملتزماً بأدب السماع لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُول لَهُ."فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى": أَيْ تَتَشَاغَل، وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَخُصّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْن الشَّرِيف وَالضَّعِيف، وَالْفَقِير وَالْغَنِيّ، وَالسَّادَة وَالْعَبِيد، وَالرِّجَال وَالنِّسَاء، وَالصِّغَار وَالْكِبَار، ثُمَّ اللَّه تَعَالَى يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَلَهُ الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْحُجَّة الدَّامِغَة.

"كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ": أَيْ هَذِهِ السُّورَة أَوْ الْوَصِيَّة بِالْمُسَاوَاةِ بَيْن النَّاس فِي إِبْلَاغ الْعِلْم بَيْن شَرِيفهمْ وَوَضِيعهمْ.

بهذه الآيات خلَّد الله ذكر هذا الأعمى الذي سبق غيره إلى الإسلام، وتحمل المشاق في سبيل إعلان دينه والإيمان بربه، فهاجر مع المهاجرين من مكة الى المدينة، ولم يقف فقده لبصره عائقاً دون المشاركة في الدعوة الإسلامية، فحفظ القرآن الكريم، وكان قوي الحافظة، وروى الكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم،· وكان ابن أم مكتوم ثاقب الرأي، كريم الخلق، وكان يجلس في المسجد يعظ المسلمين ويعلمهم أمور دينهم ودنياهم، كما كان في فترة بقائه في المدينة أثناء الغزوات يجمع الأطفال ويعلمهم القرآن الكريم·

بقلم الدكتور: أحمد حسين/ من مصر


ذات صلة