مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الحاديةوالخمسون: وقفات تربوية مع قول الله عزّ وجلّ: "وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِینَ خُلِّفُوا۟"


نشرت منذ سنة القراءات:323

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


انظر إلى العدد وتأمل ثلاثة ولم يتعدَّ إلى غيرهم، وهم صحابة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رافقوه وجالسوه وتعلموا منه ونهلوا من علمه وأخلاقه، ومع هذا لمَّـا تخلَّفوا عن الغزوة -غزوة تبوك- أنزل الله -جلّ وعلا- بهم قرآنا يُتلى إلى قيام الساعة، فالله جلَّ شأنه يربي الأمة على الالتزام بالمبادئ والقيم والضوابط والمسؤولية الاجتماعية التي تُطلب من كل شخص في المجتمع الذي يعيش فيه، فهناك قضايا متعلقة ومتعدية إلى جميع من يعيش في المجتمع، إن تخلَّى واحد سيفتح باب الجُرأة للجميع، وإلّا فإنَّ ثلاثة رجال لا يؤثِّرون على إقدام جيش عرمرم، ولا ينقصون من قوتهم وقدرتهم على مواجهة عدوهم وهذا بالحسبة العددية والعقلية، ولكن أمرَ الله تعالى وأمرَ رسوله صلى الله عليه وسلم أمرٌ لا يمكن الهروب منه ولا النكوص عنه، فالأمة قد يخذلها واحد أو ثلاثة وفي نظرنا ليسوا شيئاً له تأثير في الواقع، ولكن هم ثغرة يدخل الأعداء إلى الإسلام منها فيهدمونه.

تأمل أيها التالي لكتاب الله جلّ وعلا كيف عاقب الله تعالى هؤلاء الثلاثة، وهذه العقوبة النفسية الأليمة من مقاطعة ومدابرة وتهميش وإقصاء وعزل والتي صورها الله عزَّ وجلَّ في قوله: "حَتَّىٰۤ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَیۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ" كانت نتيجة الصدق الذي تربوا عليه، فقد كان المنافقون يُدلون بحجتهم ويُعذرون وأمرهم إلى الله تعالى، ولكن الثلاثة ما ارتكبوا ذنباً فوق ذنب بل كانوا صادقين؛ لأن الصدق منجاة، والكذب مهلكة وعطب، "وَظَنُّوۤا۟ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّاۤ إِلَیۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَیۡهِمۡ لِیَتُوبُوۤا۟" ومع هذا كان عندهم رجوع وأوبة وتوبة وندم واستعداد نفسي وقلبي للرجوع إلى الله تعالى فما سمَّى نفسه التوَّاب توَّاباً إلاّ ليتوب على عباده.

ثم يسطر الله تعالى الآية التي تليها بمنهج رباني ليربي الأمة على المبادئ الجمالية العالية التي يزين الإنسان بها حياته وتعامله مع الآخرين فيقول: "یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِینَ" ومن هنا جاءت الآيات التي فيها تربية قاسية لهم ولمن بعدهم بأن لا يتجاوزوا أمر الله ولا يتخلفوا عنه، فنعم التربية في القرآن والسنة فهي تربية الثوابت والمبادئ.

فيا أيها اللبيب الحصيف انظر إلى مجريات الأحداث، مِن تململ عن أمر الله تعالى، وركون إلى الدنيا، وتخلف عن ركب المسلمين، واستئثار الراحة والدعة على الهمة الموصلة إلى القمة، إلى صدق في البوح، وعزل أليم بسبب الصدق، هناك في مجريات الأحداث بصيص أمل وشعاع نور يرتسم أمام الصحابة الكرام؛ ليعيدهم إلى الله تعالى ويمسِّكَهم بالثوابت والمبادئ التي اعتقدوها، ثم يأتي الفرج أن تاب الله عليهم، ثم يوضع منهاج في ترتيب قرآنيٍّ عجيب غريب ليرفع منهج الصدق عالياً.

د. محمد خالد السميري


ذات صلة