مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة التاسعة والأربعون وقفات مع آيات من سورة التين


نشرت منذ سنة القراءات:326

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


قال الحق سبحانه: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون". تتبين لنا في هذه الآيات الكريمات حقيقة أنّ الإنسان وقد كرَّمهُ الله بكمال الخِلقة وجمال الهيئة على سائر مخلوقاته، وقوَّمَهُ أحسنَ تقويم، وميَّزَه بالعقل وبالسير والوقوف على قدمين اثنين، فإنه يمر بمراحل عديدة منذ ولادته إلى حين وفاته، ومن هذه المراحل مرحلةُ النضج والقوة والمعرفة حيث وصف الله سبحانه هذه المرحلة بـ "أحسن تقويم" وهي في أغلب الأحوال قمة ما يصل إليه الإنسان من صحة وعافية ونضج في التفكير وفي الحكم على الأشياء، والتي وصفها الحق سبحانه في آية أخرى وقال "ثم لتبلغوا أشدكم"، أي مُنتهى قوتكم.

 ولا بُدّ لهذه المرحلة من الإضمحلال والنزول حتى يصل الإنسان إلى مرحلة "أسفل سافلين" وهي حين تبدأ حالة الإنسان بالتدهور من القوة إلى الضعف، ومن الصحة إلى المرض، ومن المعرفة والنضج إلى أن تتضاءل معرفته بحيث لا يعرف الإنسان شيئًا بعدما كان عالمًا، وفي هذه يقول الله عزَّ وجلَّ "ومنكم من يرد الى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا"، وأرذل العمر يعني نهاياته، وتدهور صحة الإنسان ومتاعبه فيه قبل فراقه الدنيا أي مرحلة "أسفل سافلين".

وإذ قدر الله سبحانه وتعالى هذه الحقيقة والنهاية المزرية التي يعيشها الإنسان في أخريات حياته، استثنى سبحانه عباده المؤمنين الذين قدّموا الإيمان بالله ووحدوه وعملوا من الصالحات لوجهه تعالى، وقال بأنهم مأجورون لما يمرون به من تعب ومرض واعتلال فقال سبحانه: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون"، على عكس غير المؤمنين والذين لم يقدموا في حياتهم إيمانا بالله حق الإيمان، ولم يعملوا من الصالحات الخالصة لوجه الله تعالى فهم محرومون من الأجر على معاناتهم. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم أن المؤمن له أجر حتى في الشوكة يشاكها، فعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمّ ولا حَزن ولا أذى ولا غَمّ، حتى الشوكة يشاكها إلّا كفَّرَ الله بها من خطاياه"، وهذه تشمل المتاعب والمرض والضعف فيكفر الله بها خطايا عباده، وفي هذا الحديث حثٌّ على الصبر على المكاره ومنه المرض، والصبر بحد ذاته عبادة نحن مأمورون بها، قال تعالى: "واصبر وما صبرك إلا بالله"، وقال أيضًا: "إن الله مع الصابرين".

بقلم الكابتن دكتور: إبراهيم المشهداني/ من العراق.


ذات صلة