مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الخمسون فَتَزلَ قَدمٌ بَعدَ ثُبُوتِها


نشرت منذ سنة القراءات:652

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94]

يحدثنا المولى عزَّ وجلَّ في هذه الآيه منبهاً ومحذراً من حالة قد يَصعُبُ تصورُها وتظهر كأنها نادرة الحدوث، يحدثنا جل وعلا عن عبدٍ ثابتٍ على دينه، ملتزمٍ بأمره، وصفه الله في كتابه بالثبات، ثم تتغير الأوضاع وتنقلب الأحوال.. فتزل هذه القدم بعد ثباتها، وتضلُ بعد الهداية، وتنحرف بعد الاستقامة.. نسأل الله السلامة. وينبه اللطيف بعباده، الخبير بأحوالهم، في الآية نفسها إلى هذا الانقلاب والانتكاس له مقدمات تودي بصاحبها إلى هذا الزلل، فقال جل وعلا:" وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا " أي أن الاستخفاف بالأيْمان، والاستهانة بعهد الله، والتفريط بميثاقه، هو السبب الحقيقي لهذا الضلال، والموصل لهذا الحال. فالمولى جلّ وعلا أرحمُ بعباده أن يُضلهم بلا ذنب اقترفوه، أو مُهلكات اقترفوها بين يدي الضلالة "فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ"، فمن زرع الاستخفاف بشرع الله وأمره؛ لن يحصد إلا مُرّاً بالغواية والضلال، ومن باع نفسه ودينه وعلمه للشيطان؛ لن يحصد إلا زلل القدم بعد ثباتها وفي الآخرة عذاب عظيم.

وتستكمل الآيات عرضها للمشهد وتصويرها لحالة الضلال ببيع عهد الله، والتخلي عن هذا الميثاق بثمنٍ بخس، دراهم قليلة معدودة "وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا" حتى وإن كثرت هذه الدراهم، وتضاعفت هذه المغريات، فما هي إلا قليلٌ بخس أمام رضوان الله وما عنده، "مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ". وكأن الآية تنبه إلى أن الركون إلى الدنيا، والتخلي عن عهد الله، لأجل مصلحةٍ زائلة، أو منصبٍ راحل، أو مالٍ فانٍ، أو مقابل كل هذا وغيره، هو ما يؤدي إلى زلل القدم بعد ثبوتها وانحرافها بعد استقامتها. فكيف بمن كان حاله أن يبيع آخرته بدنيا غيره؟! ويشتري بعهد الله ثمناً قليلاً!! طمعاً في نيل رضى حاكم أو ملك أو مسؤول، فيعمِّر دنيا غيره ويخسر نفسه ودينه ودنياه.

ثم تشير الآية التالية إلى الفريق الآخر الثابت على دينه، مستصغراً متاع الدنيا وزينتها وبهرجها، فيؤثر رضوان الله على كل ذلك، يخاطبه مولاه عز وجل مبشراً مطمئناً: "وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" فمع هذا الثبات على عهد الله وميثاقه، سيظهر الابتلاء والامتحان، وحينها ليس من دواء أجدى من الصبر حين تتجلى صُوَرَهُ فيجزي الله عباده الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون.

وأمام هذه الصورة المتكاملة التي تصور حالة الثبات ثم الزلل، وبيان دواعي هذا الزلل ومقدماته، ليس من علاج أنجع من دعائه صلى الله عليه وسلم "يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ" الذي كان كثيراً ما يردده ويدعو به كما وصفه أصحابه وواصفوه، والتوسل الدائم لله عزَّ وجل بحُسنِ الختام، وأن يقبضنا غير فاتنين أو مفتونين، وألا يغترَن أحدٌ بعمله ويركن إلى نفسه، فتستهويه الشياطين، فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوق السوء بما صدت عن سبيل الله ولها عذاب عظيم.

بقلم الدكتور: أنس زاهر المصري/ من فلسطين


ذات صلة