مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة التاسعة عشرة نَظمُ حروف كلمات القرآن الكريم وسِياقها وارتباطها بالمعنى


نشرت منذ سنة القراءات:302

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


لقد أنزل الله الكريم كتابه على أفصح اللغات وأمضاها، بلسان عربي مبين، وجعله معجزةً خالدةً لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في قومه وفي الناس أجمعين. وتحدى العربَ الفصحاء وأهل البلاغة والبيان أن يأتوا بمثله أو بآية من مثله، وخاطبهم بحروفهم التي يعرفون (ألم، يس، عسق، ن، حم) متحديًا لهم فعجزوا عن ذلك برغم فصاحتهم ومهارتهم، وشهدوا بأنه ليس من قول البشر ولا يمكن لبشر أن يأتي بمثله.

لقد رأت العربُ في كلام الله نَفْسَ حروفهم وكلماتهم لكنها جاءت على نظم يختلف عن نظمهم وعلى نسق لم يَرَو مثله من قبل.

ولم يكن نظم القرآن الكريم فقط على مستوى جُمَلِه وآياته، بل أيضًا على مستوى كلماته وترتيب حروفها واختيار الحروف المكونة لها ليدل كل حرف وكل ترتيب على معنى يختلف عن غيره.

ومن أمثله ذلك أن كلمة (الهز) جاءت في القرآن الكريم بل في نفس السورة (سورة مريم) بنفس المعنى، ولكن بحروف مختلفة يدل كل واحد منها على معنى مناسب للسياق الذي جاءت فيه. ففي الموضع الأول أتت (وهزي) بحرف الهاء الضعيف المهموس ليدل على حال (مريم ) وضعفها ورغبتها بكتم ما هي فيه حين طلب منها أن تهز النخلة. بينما في أواخر السورة أتت (تؤزهم أزا) بحرف الهمزة الشديد القوي لتتناسب مع صنيع الشياطين بالكافرين من تأجيج قلوبهم على الحق وسوقهم نحو العناد والإنكار.

ومن أمثلته أيضا حديث القرآن عن مكة المكرمة بطريقتين، الأولى في سياق الحديث عن الحج وشدته وصعوبته فأتت بحرف الباء القوي الشديد (بكة)، والثانية في سياق الحديث عن فتح مكة وتيسيره على نبيه وفرح نبيه بهذه المنّة العظيمة فناسب أن يأتي حرف سهل مُغَنّ جميل هو حرف الميم، فأتت (مكة).

كثيرة هي الأمثلة التي تبين ارتباط معاني القرآن الكريم بحروفه وسياقها ونظمها، مما يشير علينا جميعًا ضرورة تعلم كيفية إخراج الحرف بالشكل الفصيح الصحيح، لننعم بروضة إعجاز القرآن وبيانه، ولتطرب قلوبنا بمعانيه، فتكون طريقًا لامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

 

بقلم الدكتور: محمود حسين محمد/ من مصر


ذات صلة