مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة التاسعة والسبعون- القَبولُ مدارُ الأعمالِ الصالحةِ


نشرت منذ سنة القراءات:341

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


}وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{ سورة البقرة، آية: 127.

تحدّثنا الآيةُ عن حالةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ -عليهما السلام- عندَ رفعهِما القواعدَ من البيتِ، واستمرارِهما على هذا العمل العظيم.

فقد جمعا -عليهما السلامُ- بينَ الخوفِ والرجاءِ، حتى إنهما دعوا اللهَ ﷻ أن يتقبل منهما عملهما.

وقَبولُ اللهِ ﷻ للعملِ أنْ يرضاه و ُثيبَ عليه.

والابتداء في الدعاء بندائهما -سبحانه- باسم الربِّ؛ لإظهار الخضوع والافتقار إليه، وهذا من أسنى الآداب التي تجعل الدعاء بمقربة من الاستجابة.

وخُتم الدعاء باسمين عظيمين من أسماء الله ﷻ، ليؤكدا أنّ رجاءَهما في استجابةِ دعائهما وثيق، وأنّ ما عملاه ابتغاء مرضاته جدير بالقبول، فمن كان سمعياً عليماً بنيّات الدّاعين وصدق ضمائرهم، كان باستجابةِ دعاء المخلصين في طاعته غير بعيد.

فهذه الدعوة المباركة ذكرت مطلباً عظيماً لا غنى عنه للعبد في أمور دينه ودنياه، وهو سؤال اللَّه تعالى القَبول في الأعمالِ، والأقوالِ، ‏فقال وابنه إسماعيل -عليهما السلام-: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

وفي هذا تنبيه للعبد أنْ يستحضر هذه المعنى دوماً وأبداً في سَيرِه إلى الله ﷻ، ‏والعبدُ يتأسى بهما بهذه المقاصد والمطالب الجليلة من إخلاص العمل للَّه تعالى، وما يحمل الدعاء في طيّاته من جميل المعاني من الخوف، والرجاء، ‏والرغبة، والرهبة.

وتأمّل في شأنهما -عليهما السلام-: يقومان بأجلّ الأعمال وأرفعها بإذْنٍ من ربّهما تعالى، وهما يسألان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}، فتأمّل كيف كان حالهما من الخوفِ ألاّ يتقبل عملهما؟!.

فإذا كان هذا حال إمام الحنفاء، وقدوة الموحدين، ‏فكيف بحالنا وتقصيرنا؟.

وعن وهيب بن الورد أنّه قرأ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنتَ مُشفق أنْ لا يتقبل منك؟ [تفسير ابن كثير، 1/ 254].

وهذه سمةُ المؤمنينَ الخُلَّص كما حكى اللهُ تعالى عن حالهم في قوله تعالى: {وَالَّذينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} [المؤمنون: 60]، أي يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات: {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، أي: خائفة ألّا يتقبل منهم، كما جاء في الحديث أن عائشة رَضْيَ اللَّهُ عنْهَا سألت رسول ‏اللَّه ﷺ عن هذه الآية: "أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، {أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}" [سنن الترمذي].

فعند التأمّل نجد أنّ الآية أرشدت العبد إلى ملازمة سؤال اللهِ قبول أعماله بعد أدائه لها، ومنها الدعاء، فقد كان هذا من هدي المصطفى ﷺ: فإنّه كان يستغفر ثلاثاً بعد الصلاة، وكان يقول بعد صلاة الصبح: "اللّهمَّ إنّي أسألك علماً نافعاً، ‏ورزقاً طيباً، وعملاً مُتقبّلاً" [ابن ماجه والنسائي، صححه الألباني]، وكان ﷺ  يستعيذ من عمل لا يُرفع: "اللّهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن عمل لا يُرفع" [صحيح الجامع].

فالله الله في القبول حيث إنّ مدار الأعمال الصالحة عليه، وذلك يقوم على الإخلاص للهِ تعالى، والاتباع لما جاء به الشرع المطهّر.

محمود بربخ- فلسطين


ذات صلة