مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الثالثة والخمسون: سورة الكهف ... منجاة من الفتن


نشرت منذ سنة القراءات:297

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


 لا يخفى على أحد من المسلمين وصية النبي صلى الله عليه وسلم بقراءة سورة الكهف في يوم الجمعة، ولعل تخصيص سورة الكهف ليبقى الإنسان متنبهًا للفتن الأربع التي تعصف به يوميًا وترده عن دينه أو تبعده عنه على أقل تقدير، فيقي الإنسان نفسه منها ويحافظ على دينه.

 وأول هذه الفتن: فتنة الدِّين، كما حصل مع أصحاب الكهف، "إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا"، إذ إنهم تعرضوا للأذى والتهجير من أجل ترك دينهم، إلّا أن موقفهم كان الرفض للمساومة، والثبات على الدين، حتى وإن أدى بهم هذا الثبات إلى اعتزال الناس. حيث إنّ عدم الفلاح يكون بالعودة لدين الكفر، وطريق النجاة من هذه الفتنة تكون بالتمسك بدين الحق ولو كان المقابل إزهاق الروح واعتزال الناس "وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأْوُۥٓاْ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا".

أما الفتة الثانية: فهي فتنة المال، وذلك كما حصل مع صاحب الجنتين، فاغترَّ بكثرة ماله وجمال بساتينه، وقادَهُ الغرور إلى الظن بأن الله عزَّ وجلَّ يعاملُ الناسَ بحسب مالهم "وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا"، فغفل أو تغافل عن قدرة الله فعاقبه الحق بهلاك ماله كله وخسارة بساتينه. وطريق النجاة من هذه الفتنة بترك الكِبر ونسب الفضل لله تعالى وتقبُّل النصيحة من أهل الصلاح والتقوى.

 أما الفتنة الثالثة: فهي فتنة العلم، فلا يغترّ إنسان بعلمه، ولا يعتقد أنه بلغ من العلم مبلغًا لا يصل إليه أحد غيره، فالعلم عند الإنسان قليل مهما بلغ  من درجات "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً"، فلا بُدَّ أن تكون على يقين أنه مهما بلغت من العلم فهناك من هو أعلم منك، ومهما بلغت من درجة فإن هناك في العلم من هو أرفع درجة منك. وطريق النجاة من هذه الفتنة يكون بالتواضع وعدم الاغترار كما فعل موسى عليه السلام في سعيه لطلب العلم، فكان المبادر للقاء الرجل الصالح رغم منزلة موسى عليه السلام، وكان مطواعًا لمعلِّمِه، متأدبًا في كلامه، ليِّنًا في معاملته، وهذا هو أساس النجاة من هذه الفتنة.

أما الفتنة الرابعة: فهي فتنة الملك، وما أعظمها من فتنة، وكم خَسِرَ من أجلها أناس كُثُر دينهم، وتمثلت هذه الفتنة في قصة ذي القرنين الذي بلغ مُلكَه مَبلغًا لم يصل إليه أحد، فأوتي من كل وسائل القوة التي تمكنه من الحكم والسيطرة، قال تعالى: "إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا".  وقد أشار الله عزّ وجلّ في سورة الكهف أن العدل والحكم بما أنزل الله هو طريق النجاة من هذه الفتنة، فقال الحق سبحانه: "قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا".

الشيخ نائل دويكات


ذات صلة