مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة السابعة والأربعون الإعجاز الإعرابيّ في سورة الفاتحة


نشرت منذ سنة القراءات:319

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


الإعجاز الإعرابيّ وجه متجدد للإعجاز اللغويّ القرآنيّ الذي هو أصل الوجوه الإعجازية، وإذا كان الإعراب وضعت مصطلحاته وقواعده متأخرة عن زمن نزول القرآن بنحو نصف قرن؛ فإن مفاهيمه كانت حاضرة الذهن، والسليقة على أصولها يومئذ، ونصوص ذلك الزمن شاهدة. فإذا ابتدأنا بالبسملة، وهي آية من الفاتحة باتفاق، نجدها حَوَتْ أنواع الجرّ الثلاثة، فالجرُّ بالحرف كان بالباء (بسمِ)، والجرُّ بالإضافة كان للفظ الجلالة (الله)، والجر بالتبعية كان للصفتين (الرّحمنِ الرّحيمِ)، هذا إذا علمنا بأن أربعة أحرف للجر في الفاتحة، وهي: الباء في البسملة، واللام في (لله)، وعلى (مرتين) في (عليهم)، وقد أفادت أيما إفادة من الاستعانة، إلى الاختصاص، وحتى الاستعلاء. وأكثر ما يطالعنا في الفاتحة الاسم المعرّف بـ(الـ)؛ فلدينا ثلاثة عشر اسمًا معرّفًا، والتعريف منوّع، فظاهره الألف واللام؛ ولكن معانيه أفادت الاستغراق والاستحقاق، والعموم والشمول، والتفخيم والتعظيم، والعهد والتعيين، وذلك في: (الله، الرّحمن، الرّحيم، الحمد، لله، العالمين، الرّحمن، الرّحيم، الدّين، الصّراط، المستقيم، المغضوب، الضالين)، وحتى (الذين) على رأي قوم، وأيضًا نلاحظ كثرة الجمل الاسمية التي تفيد الثبوت والديمومة؛ كيف لا، وهي السورة الأساس، والتي تقرأ في كل وقت وحين. وبعد الأسماء كثرة تأتي الصفات والنعوت فهي سبعة متعلقات بالله، ومتمحورة حول اسمه العظيم، ودينه القويم، وهذه مركزية في التعبير يدركها أهل البيان، فالصفات من التوابع، وقد عرفنا تتبع مَنْ؟ وهي: (الرّحمن، الرّحيم، رب، الرّحمن، الرّحيم، مالك، المستقيم)، وكذلك المضاف إليه كان كثيرًا في السورة. ولم يظهر في السورة إلّا فاعل واحد، وهو عائد على الله، وذلك في تاء الفاعل من {أنعمتَ}، أي: (أنتَ يا اللهُ)، وكل الفاعلين الآخرين مستترون وجوبًا، فالأفعال في الفاتحة أربعة: الماضي المفرد للفرد الصمد {أنعمتَ}، والأمر الذي خرج إلى الدعاء {اهدنا}، ومضارعان دالان على جماعة المتكلمين {نعبدُ}، و{نستعينُ}، وأما المفعول به فاثنان: الصراط، والضمير (نا) في {اهدنا}، فعلى هذا (نحن) والصراط سواء في حكمنا الإعرابيّ. والضمائر المتصلة في الفاتحة أكثر من المنفصلة؛ بل المنفصلة ضميران فقط، وفي السورة اسم موصول وصلته، وهذا كله قبل الاستثناء المنقطع الذي أحدثته {غير}، وما بعدها؛ فيالبراعة الترتيب والتنسيق. وفي السورة عطفان بالواو؛ عطف محمود للعبادة والاستعانة بصيغة الإثبات، وعطف مذموم للمغضوب عليهم والضالين، وبينهما (لا) بصيغة النفي المؤكّد. وفي السورة حذف، والحذف باب لطيف المأخذ، فحين يكون الحذف أبلغ من الذكر، والصمت أبين من النطق هنا مكمن الإعجاز بالإيجاز، فقد حذفت أخبار، واستتر فاعلون، وقدّرت جُمَلٌ، كلها لأغراض لها وقع في نفس القارئ لهذه السورة المعجزة، في حين نجد تَكرارًا للتأكيد، وإعادة لألفاظ وتعابير بقصد تثبيتها في نفوس المتلقين، كما نجد تقديمًا وتأخيرًا بنية الحصر. كل ذلك وغيره الكثير من اللطائف في أمّ القرآن.

بقلم الخبير اللغوي: أحمد كسار الجنابيّ/ من العراق


ذات صلة