مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الثامنة والأربعون مـا بين "فَأَسَرَّهَا" و "أَنَا يُوسُفُ" و "لَا تَثْرِيبَ" حكـــاية وأي حكـــاية


نشرت منذ سنة القراءات:282

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


غرَّهم ما قيل في "فَأَسَرَّهَا" حتى أنهم جهلوا قدر أنفسهم حين عاملهم بأخلاق السياسية التي تستوجب على الإنسان أن لا ينطلق انطلاقة غير معروفة المصير ولا واضحة الهدف، أو عاملهم بأخلاق الإنسانية والنبل التي تمتّع بها وقابل بها من لا يستحقها ولا ينال شرفها -فبعض الأنفس اعتادت الانحطاط والسُّفول-، بل قد يكون ذلك حين أراد أن يبين ما لم يستطيعوا فهمه، وقتئذ لم يفهموا مغزى ما أُريد حين أسرَّها في نفسه، فحملهم التغاضي المؤقت على الجرأة التي حصلت، وحين قال "أَنَا يُوسُفُ" -متجردًا من ألقاب السيادة والرياسة- ارتعدوا من شدة هول الصدمة، وقرع آذانهم أنّه صاحب السلطة، وقد يكون انقدح في أذهانهم أنه وقت الانتقام؛ لأنّ العقلية المجردة تستوجب أن يثأر الإنسان في حال التمكن، ولكن أخلاق الأنبياء ليست كما هو معهود في العقليات المجردة، وما حصل ليس سهلًا على نفس يوسف عليه الصلاة والسلام. وهذا الفعل يستوجب أن يقوم القائم منهم لينتقم حين جاء الوقت المناسب، وما ارتعادهم وخوفهم إلّا باستحضار ما فعلوه في السابق، حين رموه في بئر قديمة مهجورة مقطوعة الموارد والحياة، ولك أن تتخيل المشهد وتضع نفسك مكانه كيف سيأتيك الموت ببطء، فقط حلِّق بتخيلك في تلك الحالة. ثم مقالتهم حين "أَسَرَّهَا"، كل هذا موجبٌ للعقوبة، وقتئذ أذعنوا وسلموا رقابهم لحكم القدر الذي جرَّهم إلى ما هم فيه الآن فرقابهم أحدُّ من الشعرة أمام سيف يوسف عليه السلام.

 وقتئذ تجلت الأخلاق النبيلة السامقة التي جُبِل وتربى عليها يوسف عليه الصلاة والسلام، فقال "لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ" فلا لوم اليوم على ما فعلتموه، ولا تقريع على ما ارتكبتموه، فسأطوِ صحائفكم وسيتكفل بنشر موعظتها رب العالمين للناس؛ ليتنبهوا من أقرب من قَرُب من قلوبهم، وقد كانت "أحسن القصص"، وحكت لنا حكاية زمان مضى وقصة تُروى، من إخوة تربوا في بيت واحد في كنف أب واحد، أكلوا على مائدة واحدة ومن صحن واحد، وفعلوا ما فعلوا بأخيهم الذي ما كان ذنبه إلّا أنْ أظهر والده حبه أمام أولاده؛ ليأخذ منها التالي والسامع أحسن العبر، ويجعل لها من قاع صدره موقعًا، وفي حياته منهجًا، فمن هناك نأخذ عبرة تبقى في أذهاننا أنه: "فأسرها" نُسِـرُّ وقتا من الزمن، ثم لا يكون إسرارنا وقتها خوفًا وضعفًا فقد قال "أنا يوسف"، وإذا ما تمكنا يأتي وقت "لا تثريب" ونطرح اللوم والعتاب أرضًا. تلك أخلاق النبلاء أيها النبلاء.

بقلم الدكتور: محمد خالد السميري/ من الأردن


ذات صلة