مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الرابعة والخمسون: وقفة مع قول الله عزَّ وجلَّ: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"


نشرت منذ سنة القراءات:304

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


كتاب الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه الكثير من الحكم والعِبر، فهو كلام الله "ومن أصدق من الله قيلا" من الآية 122 النساء. وهذه وقفة بسيطة مع آية كريمة في كتاب الله عز وجل وهي: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، حيث رسم القرآن الكريم لنا بهذه الآية منهجًا وطريقًا في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ حتى مع الأعداء، ولنأخذ من قصة موسى وهارون مع فرعون مثالًا على ذلك، فقد وصف الله فرعون بالقرآن بأنه عدو فقال: " أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ" (من الآية 39 طه).

إذًا علمنا أنّ فرعون عدوٌّ لله بتكبره وظلمه وبادعائه الألوهية عندما قال: "قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ"، وكذلك عندما قال: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي"، من الآية 38 القصص. فالله سبحانه وتعالى قرر مسبقًا بأن فرعون عدو لله، وإنما كان إرسال موسى عليه السلام وأخيه هارون إليه: ليدعواه إلى الحق بحسن الدعوة ولين الكلام ليقيم عليه الحجة، "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا" من الآية 15 الإسراء، فأمرهما الله عزَّ وجلَّ أن يدعواه بالحسنى واللين: "فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ" من الآية 44 طه، والقول الليّنُ هنا فيه حكمة عظيمة، فأنت إن جئت تزجر أحدًا أو تخشن عليه بالقول سواء في أن تأمره أو أن تنهاه أو حتى أن تعظه أو تذكره بأمر الله تعالى، فربما نفر منك وأخذته العزة بالإثم وتمرد عليك؛ لأن النفس البشرية لا تقبل التنازل لأحد، وهي مجبولة على العزة وعدم التسليم والاستسلام. وهذا درس يعلمنا الكثير، فحتى الطفل إذا نهرته وأكثرت عليه بالقول وأعليت عليه صوتك فقد يتمرد عليك ويخرج عن طاعتك، إن لم يكن علنا فقد يهجرك سرًا فتكون العاقبة وخيمة.

 إذا لم نحسن القول والنصيحة باللين والحكمة والله سبحانه وتعالى يقول: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" 125 النحل، والآية واضحة وتشرح نفسها، فحتى اذا تطور الأمر إلى الجدال فليكن بالطريقة التي هي أحسن، فكيف وهو يريد هداية ظالم والحديث إلى متجبر مثل فرعون، فربما يثور بوجهه أو يخشن برده عليه. لكن هنا تتجلى الحكمة وهي أن تقول قولًا لينًا فتقطع الطريق على الذي تخاطبه بلين القول من أن ينفر منك أو أن يتكبر عليك، فإن فعل فعليه وزره وتكون أنت قمت بما يمليه عليك الأمر من الله عزّ وجلّ. والله اعلم.

 

كابتن دكتور إبراهيم المشهداني


ذات صلة