مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الخامسة والعشرون مبادئ الاستهلاك الرشيد من خلال الكتاب المجيد


نشرت منذ سنة القراءات:309

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


لقد اهتم القرآن الكريم بالنفس البشرية أيما اهتمام، فأولاها العناية المطلقة، ولذلك شرع لها من الأحكام ما يدرّ عليها من المصالح، ويدفع عنها المفاسد، وجعل الاستهلاك عبادة وطاعة إذا ما قُرن بالنية الصادقة السليمة. لكن الإسلام لم يَدْعُ للاستهلاك مطلقاً وإنما وضع له ضوابط تحقق التوازن والترشيد الاستهلاكي وكلّها تصبُّ في مصلحة حماية المستهلك. والمستقرئ للقرآن يجد أن القرآن وضع عدة مبادئ للاستهلاك الرشيد:

أولاً: الحضُّ على تحقيق حدِّ الكفاية: وهو إشباع الحاجات الأساسية المشروعة للإنسان. والمستند الشرعي لتحديد حد الكفاية هو قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى *  فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى* إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى}. والمعنى أن الشبع والري، والكسوة واللذة، هي الأمور التي يدور عليها كفاية الإنسان. فذكر الله حصول هذه الأشياء في الجنّة، وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كافٍ، ولا إلى كسب كاسب، كما يحتاج إليه أهل الدنيا.

ثانياً: النهي عن الإسراف: وهو بذلٌ للمال فيما لا ينبغي. ولقد نهى القرآن الكريم عن هذا السلوك الاستهلاكي، وحذّر منه، وامتدح الرب العليم عباده المؤمنين بوصفهم بأنهم قومٌ لا يُسرفون، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}.

ثالثاً: النهي عن التبذير: وهو صرف الشيء فيما لا ينبغي، ولقد نُهي عن هذا السلوك الاستهلاكي نهياً صريحاً، فقال الله تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً}. وجعل منزلة المبذّر منزلة الشياطين فقرنهم برابط الأخوة، فقال الله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ }.

رابعاً: النهي عن الترف: وهو عدم شكر نعمة المال والغنى، فالمترَف يطغى بما أنعم الله عليه من مال، فبدلاً من أن يستعمله فيما أمر الله به من التمتع بالحلال، وتنميته لمصلحة المجتمع، يحوله إلى وسيلة للعبث، واللهو، والتخريب المادي، والمعنوي للمجتمع والأمة.  يجد المتأمل في صفحات التشريع الإسلامي أنه قد حذّر تحذيراً شديداً من ظاهرة الترف؛ وانتشارها أمارةٌ على غضب الله؛ حيث قرنها مع وقوع العذاب الإلهي، فقال الرب الحكيم في محكم التنزيل: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}.

خامساً: النهي عن التقتير: وهو إنفاق المال دون حدّ الضرورة، ليصل إلى حد البخل والإبقاء على المال في معظمه. ولقد نهى القرآن عن التقتير والبخل، فقال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً}. وهذا مجاز عبّر به عن البخيل.

  ومن المعلوم أن هذه التدابير تحمي أموال الفرد والأمة من الضياع، وتدفعها إلى التنمية والاستثمار.

بقلم الدكتور: سمير الجلول/ من سوريا


ذات صلة