مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الثانية عشرة الخوف والحَزَن بين سورتي فُصِّلت والأحقاف


نشرت منذ سنة القراءات:292

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


الإنسان حين يسافر أوّلَ مرَّة إلى بلدٍ أجنبي غريب عليه، يعتريه شعوران، هما الخوف ممّا هو ذاهب إليه، وما يستقبله مِن مجهول، والحزن على فراق الأهل والأحبَّة.

تصوَّر وأنت في هذا الحال تأتيك مكالمة هاتفية مِن ملك أو رئيس البلد الذي أنت إليه ذاهبٌ يقول لك الملك أو الرَّئيس شخصيًا: يا فلان، سوف أبعث بعض وزرائي لاستقبالك في المطار ليأخذوك إلى قصري الرِّئاسي أو الملكي حيث سَتَسكُنُ خلال إقامتك في بلدي.

فبعد سماعك لهذا الكلام مِن الملِك أو الرَّئيس نفسه كيف سيكون شعورك؟ سوف يذهب عنك الخوف والحزن ويأتي مكانه الفرح والبهجة والسُّرور.

فإذا كان هذا هو شعورك بعد سماعك لوعد الملك أو الرَّئيس البشر، فكيف بوعد ملك الملوك؟ بعث إليك رُسُلَه مِن الملائكة بِيضُ الوجوه يبشِّرونك بوعده الذي كان قد وعد به المؤمنون وما ينتظرك مِن نعيم الجنَّة، "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ". 

قلتَ سائلًا هل مِن فرقٍ بين آية فصِّلت وآية الأحقاف؟

قلتُ مجيبًا: بلى هناك فرق واضح بين الآيتين، ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى كان قد وعد وبشَّر عباده المؤمنين بشكلٍ جماعي في الحياة الدنيا بواسطة رسوله الآدمي محمَّد صلى الله عليه وسلم فقال عزّ مِن قائل في سورة الأحقاف: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".

 لاحِظ في آية الأحقاف لا يوجد "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ" لأنَّهم – المؤمنون – لا تنزل عليهم الملائكة ولا يرونهم في الدنيا، إنَّما كانوا يقرأون هذا الوعد وهذه البشرى مِن القرآن الكريم أو يسمعونها مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنَّهم حين يكونوا في إدبار مِن الدنيا وإقبال على الآخرة وقد تغيَّر وضعهم الصِّحي والنَّفسي ويعانون مِن سكرات الموت، فالله سبحانه وتعالى بلطفه وكرمه ورحمته بهم، وليرفع مِن معنوياتهم ويُخفِّف عنهم ما هم فيه، بشَّرهم مِن جديد، ولكن هذه المرَّة البشرى تُزَفُّ إليهم فرادى لا جماعات مثل ما كان عليه الأمر في الدنيا إذ وُعِدوا جميعًا بواسطة القرآن يقرءونه أو يسمعونه مِن بعضهم البعض.

 أمّا هنا الآن وهو في إدبار مِن الدنيا وإقبال على الآخرة، فالبشرى تكون بواسطة رسولٍ مَلَك ليقول له إنَّ وعد الله فيه نافذ ليُطمئنه ويُثبِّته.

يالها مِن لحظة لا تعدلها الدنيا كلّها عند المؤمن حين يرى وهو في إدبار مِن الدنيا وإقبال على الآخرة الملائكة تنزل عليه وتبشِّرُه بما ينتظره عند الله ممَّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. 

بقلم الدكتور: عبد الكريم توري/ من ساحل العاج


ذات صلة