مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الحادية والثلاثون "وإذا قلتم فاعدلوا"


نشرت منذ سنة القراءات:332

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


هذا المقطع من الآية الثانية والخمسين بعد المائة من سورة الأنعام، ضمن الوصايا العشر، التي وصَّى الله عزّ وجلّ بها عباده، ولقد تضمنَ الأمرُ بالعدل الذي هو: كلمةٌ جامعةٌ تعني إعطاءَ كلِّ ذي حقٍّ حقَهُ بلا حَيْفٍ ولا شَطَطٍ، والعَدْلُ في الأقوال شاملٌ لجميع جوانب تقويم الآخرين، والحكم عليهم من جرحٍ وتعديلٍ وشهادةٍ وقضاءٍ ومشاورةٍ وصلحٍ بينَ متنازعينِ.

ويوم أن انحرفتِ البوصلةُ عن العمل بما تضمنته هذه الآية رأينا مدحَ من لا يستحقُّ المدحَ، وذمَّ من لا يستحقُّ الذمَّ، فصارَ– عندَ كثيرينَ – معيارُ المدحِ هُوَ: الرضَا الشَّخصي عن فلان وإن غطَّتهُ المثالبُ، ومعيارُ ذمِّ الآخَرِ: هُو السُّخْطُ الشخصي عنه، وإن تزيَّن بكل المناقب، فارتفع الوضيع، ووُضع من شأن الرفيع، وكان نتيجة ذلك أن وُسِدَ الأمر إلى غير أهله، وخُدِعَ المجتمعُ بمن قُدِّموا إليه في زيِّ الاستقامة، وهم لا يرعَونَ حقًا ولا ذَمامة، وهذا من صور غشِ الأمة.

إنَّ عدمَ ملازمةِ العدلِ والإنصافِ في الأحَكامِ على الآخرينَ لَهُ عواقبُ كارثية، فالذي لا يراعي العدل والإنصاف يجعل المباحَ الذي يفعلُهُ من يبغضُهُ مكروهًا، والمكروهُ الذي يمارسُهُ معصيةً، والمعصيةَ الصغيرةَ كبيرةً، وهو ضربٌ من ضروبِ الغُلوِ والتنطَّعِ.

فَعَلَى مَن نصَّبَ نَفْسَهُ حَاكِمًا على الآخرين أن يراعيَ العدل في كل لفظةٍ، والسَّلامةُ لا يعادلُها شيء، ولذا قال تعالى: "وإذا قلتم": إشارةً إلى أن المرءَ يسعُهُ السكوتُ إن خَشِيَ قولَ العدلِ، وفي الحديث: "من كان يؤمن باللهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ"، والعدلُ خيرٌ، فمن لم يستطعه فليصمت.

والعدلُ المطلوبُ ليسَ بين الأفرادِ فحسبْ، بلْ أيضًا بين الفرقِ والتَّياراتِ والجماعاتِ، قَال العَلامةُ السعديُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى في تفسيرِهِ: (إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع، فالواجبُ عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبعدها منه).

لقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك كلمة الحق في الرضا والغضب"، ذلك أنَّ المرء قد يحملُهُ غضبُهُ وانفعالُهُ أو حبُّهُ وتعلقُهُ عَلَى تَجَاوزِ صراطِ العدلِ إِفراطًا أو تفريطًا، وهذا أمرٌ قَلَّ من يُوفِّقَهُ اللهُ عزّ وجلّ إليهِ.

بقلم الدكتور: لبيب نجيب/ من اليمن


ذات صلة