مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة السابعة عشرة رسالة القرآن.. بين فقه النص وأصوات الحناجر


نشرت منذ سنة القراءات:410

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


نحن نمضي إلى الله فارغين من رسالة القرآن؛ أو ربّما ناقصين من المعاني، محمّلين بالصوت فقط، هل تدركُ أنّنا قبل حَدَثِ التنزيل القرآني كنّا نزحف على حاشية الحضارات، ولا صوتَ لنا إلّا صوتُ الزحف الغائب في القاع؟ فهل تدري متى بُعثنا من غيابنا؟ ومتى انفرَطَت عنّا الأكفان؟ كان ذلك يوم نزل القرآنُ بغاية {لِمَا يُحْيِيكُمْ} كان القرآنُ حينها يُخلّص القومَ من بُعد المسافات عن الشهود الحضاري، ويسحب لهم منصّةَ القيادة، ويُعلن أنّ بين زمن الموت وزمن الحياة فقط فِقهُ القرآن، كان يُغلِق لهم صفحة الجنازات؛ ويفتح لهم عواصم الشهود على التاريخ، ويزرعهم في تربة الخرائط التاريخيّة دون رحيل، وكانوا هم يومَها صامتين في حضرة الصوت القرآنيّ؛ يسمعونه من محمّدٍ عليه الصلاة والسلام، يسمعونه بإحساسه وتفسيره التفاعليّ، ويصفون قراءتَه؛ بأنّها قراءة حزينةٌ، شهيّةٌ، بطيئةٌ، مترسّلةٌ كأنّه يخاطبُ إنسانًا، وقد كان.. إذ كان يخاطب روحَه وأمّته بكلّ معنًى، ويأذن لنفسه وأمّته أن تُخلَق خلقًا من بعد خلق.  لقد ورثَ الجيلُ الأوّل الفقهَ النبويّ للتلاوة والقراءة والتعامل مع القرآن، وتوحّدوا مع الآيات حتى ازدحم القرآن في تفاصيلهم، انظر إليهم في تواصلهم مع النصّ،كيف ينبُتون، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يمكثُ زمنًا من اللّيل لا يُردّد سوى: {ربِّ زِدْنِي عِلْمًا} كان يفقه أنّ العلمَ مقامًا فكان يستلهم من الدعاء سبب القرب من دماء الشهدء، كان كلُّ قارئٍ فيهم يتركُ شيئًا منه على سطور الفهم للنصّ القرآنيّ، يترك لنا بعضا من عقله، ويُنشِئ لنا بالقرآن مدائنَ من الوعي لن ينساها الزمان، فها هو أحدهم يقول: بِتُّ مع الشافعيّ، فكان يصلّي نحو ثلث اللّيل، فما رأيته يزيد على خمسين آية يردّدها ويتدبّرها؛ وكان ذلك سببُ تلك المصنّفات الّتي أخرجت لنا فهمًا مُبصرًا للإسلام. وها نحن اليوم نقف على حافة الصوت الجميل، تنطفئ التلاوة بنا منذ أن انشغلنا بحركة الحناجر، وظلّ القُرّاء يدورون في فلك الحرف؛ حيث مات صوت المعاني، وبقي صوت الهمس والجهر دون إعلانٍ للرسائل الّتي ثَقُلَت بها الكلمات، تكادُ تُتقِنُ أفواهنا شدّة الإحسان في القراءة، وعلى الجهة الأخرى يكاد يسقط واقعنا من شدّة الاهتراء، إذ بين إتقان الحرف وارتداء المعاني تاريخُ أمّة كانت تفقه ما معنى المدارسة. كانت تقفه معنى: {وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}، لذا كانوا: (إذا تعلّموا عشر آيات لم يجاوزوهنّ إلى العَشرِ الأخر حتّى يعلموا ما فيهنّ)، فكان الأمر كما وَصَفوا: (نتعلّم القرآن والعمل به)، ثمّ ماذا؟ ثمّ كان ما تنبّأت به فراسة الإيمان (وسيرثُ القرآنَ بعدنا قوم يشربونه شرب الماء)، لا يجاوز تراقيهم الّتي تتغنّى بالأحرف المقامة على أوتار الحناجر، وليس على أوتار الحياة. نحن ننسى أنّ الاستعمار كان يشجّع مراكز الحفظ ويقتل العلماء؛ إذ لا أثر للنصّ إذا فرغ من الفهم؟! ثم ها نحن اليوم على خطى التوجيه نحتشد على القراءة وجمع القراءات، ونغيب عن تفعيل مدارس الفقه والتدبّر والتفسير، فيبقى صوتنا متهدّمًا، أو متهدّجًا، أو مرتجفًا بين الأمم، ولن يستقيم إلّا إذا عُدنا إلى: {فاتّبع قرآنه}.

بقلم الدكتورة: كفاح أبو هنود/ من الأردن


ذات صلة