مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الثانية والخمسون: مقارنة بين قول العرب الجاهلي: «القتل أنفى للقتل» والآية القرآنية: {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ}


نشرت منذ سنة القراءات:383

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


حاول العرب قبل الإسلام أن ينظموا شئون حياتهم الاجتماعية، ويضبطوا تصرفات أبنائهم، ويمسكوا على يد المعتدي منهم، ومما يؤكد ذلك، ما وصلنا من أقوالهم، ومنها المثل المشهور: "القتل أنفى للقتل".

وإذا يممنا وجهنا إلى القرآن الكريم، وجدنا شيئاً يشابه ذاك القول، وهو قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ}.

فما أوجه التشابه والاختلاف بينهما؟

وأيُّ القولين أبلغ؟

قارَن علماء البلاغة والتفسير بين هذين القولين، وأظهروا بلاغة الإيجاز في القرآن الكريم، وفضل التعبير القرآني، ويمكن توضيح ذلك، فيما يأتي:

1.   نجد أنَّ عدد أحرف كلمات :"القتل أنفى للقتل" أكثر من: "القصاص حياة".

2.   يتجلى جمال الانتقال الصوتي في التعبير القرآني، وخفته، وعذوبته؛ {فِي الْقِصاصِ} إذ انتقل من صوت الفاء الشفوي ذي المخرج الصوتي الأمامي الاحتكاكي، والياء المدّي إلى اللام المائع، وهذا الانتقال، أسهل للناطق، وأعذب للسامع من قول العرب: "القتل أنفى"؛ إذ انتقل من صوت اللام المائع إلى أشد الأصوات صعوبة في النطق وهو الهمزة، وهذا أمر شاق على طرفي العملية التواصلية؛ المتكلم والسامع.

3.   يظهر التكرار في "القتل أنفى للقتل"، في حين لا نجد ذلك في التعبير القرآني "القصاص حياة".

4.   وضح لنا التعبير القرآني الغرض من إقامة الحدود، "القصاص حياة" وهو بثُّ الحياة في المجتمع البشري، واستدعاء الرّغبة والرّهبة لحكم الله به، في حين نجد الغاية القصوى من قول العرب: "القتل أنفى للقتل"، هو إبعاد القتل داخل المجتمع البشري، ويظهر الفرق بين إبعاد القتل، أو تقليله، وبثّ الحياة والطمئنينة.

5.   تعد دلالة التعبير القرآني: "القصاص" أوسع من "القتل"؛ لأن التعبير القرآني شمل جميع جوانب الاعتداءات على حق الحياة للإنسان مهما كانت تلك الاعتداءات صغيرة أو كبيرة، في حين ركز قول العرب على ظاهرة قتل النفس البشرية.

وصدق الله القائل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

د. بسام الأغبر


ذات صلة