مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة العشرون مِن الظلال الدلالية في سورة البلد


نشرت منذ سنة القراءات:427

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


تتجدد معاني الآيات القرآنية في كل وقت وحين، وعندما يتدبر الإنسان آيات خاصة، في وقت خاص، يشعر أنَّ هذه الآيات قد أُنزلت الآن، أو كأنها تخاطبه هو، وهو المقصود بها، ومن تلك الآيات، ما جاء في سورة البلد، في قوله تعالى:"أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ". وسنحاول في هذه الوقفة بيان بعض من الظلال الدلالية في هذه الآية، وربطها باسم السورة.

معنى كلمة (مسغبة):

يعود الجذر اللغوي لهذه الكلمة، كما تذكر المعاجم اللغوية، إلى (سغب) ويعني: الْجُوع، الذي لا يكونُ إلا مَعَ تَعَبٍ، ومن اشتقاقات هذا الجذر: ساغِبٌ وسَغْبانُ وسَغِبٌ، وهي سَغْبَى، وجَمْعُهما: سِغابٌ. وأَسْغَبَ: دَخَلَ في المَجاعَةِ. وبذلك يكون معنى الْمَسْغَبَة: الْمَجَاعَة، وهي مصدر ميمي.

أما المقصود بِـ "يوم" في "يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ"، فهو زمان وقوع هذه المجاعة، وليس مخصصاً في يوم محدد مضى زمانه، ولكنه يُطلق على أيّ وقت تحدث فيه الأمور العظيمة، والقحط الشديد، ويدخل في معنى هذا اليوم، ما نحياه من بلاء عظيم، وتفشٍ لهذا الوباء، وباء فايروس كورونا، على المستوى العالمي، وما نتج عنه من ضعف، أو انهيار اقتصادي لكثير من العائلات، أو الشركات، أو الدول.

دلالة استعمال المصدر (إطعام) في الآية:

 استُعمل المصدر هنا لأنه؛ غير محدد بزمن، ومن المعاني التي حملها هذا المصدر في الآية الكريمة، (إطعام) أنَّ هذا الإطعام صفة طوعية فطرية في الإنسان العامل في الأرض، والساعي إلى نشر الخير، والمجتمع الذي يحرص على صيانة أبناء مجتمعه، وفي ذلك فتحٌ لبابِ التكافل على مصراعيه، ودعوة لدفع الصدقات في كل وقت وحين.

الظلال الدلالية لاسم السورة (البلد) مع هذه الآية:

 أَقْسَمَ الله تعالى، في افتتاح هذه السورة بالبلد، فقال تعالى:(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ)، والمقصود بها، مكة المكرمة. وعند تدبر آيات هذه السورة، نجد أنَّ الإنسان الملتزم المراقب لتصرفاته وأفعاله، هو أقدر الناس على بناء بلده، ومحيطه، ومجتمعه، حيث يسعى إلى التكافل الاجتماعي الموجه إلى أضعف فئات المجتمع، وتقديم يد العون لهم في أحلك الظروف التي تواجه بلده ومجتمعه، وعندما تضرب المصائب البلاد والعباد، تظهر معادُن الرجال الحقيقية، فمنهم من يحتكر، ويمسك يده، ومنهم من يُعطي دون خشية إقلال، ويساعد دون خوفٍ من هلاك.

تُشكِّل هذه الفئات البشرية المذكورة في سورة (البلد) الكريمة، في المجتمعات البشرية نسبةً عظمى، وتحتاج إلى رعاية دائمة؛ فحرية الإنسان وإخراجه من العبودية البشرية، أو المالية، تُعدُّ من أسمى غايات الإسلام، وربما يدخل في معناها، في هذا العصر الذي تلاشت فيه أشكال الرقّ بصوره القديمة، - يدخل فيها سداد الدَّين عن المدين، وإطلاق سراح الأسير، وإنشاء الشركات المحلية، والمصانع الإقليمية، وبذلك يتم التخلي عن الاقتصاد الأجنبي وعبوديته، ويصبح البلدُ قوياً بأبناء بلده المخلصين العاملين لأمتهم، والساعين لإعمار بلدهم والخلافة فيها، يصبح هذا البلد، الذي يسير على نهج هذه السورة، بلداً نموذجياً للبشرية جمعاء، وهنا تتجلى السورة القرآنية بوصفها وحدة واحدة، لا انفكاك لآياتها ومعانيها، ومضامينها.

بقلم الدكتور: بسام الأغبر/ من فلسطين


ذات صلة