مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة التاسعة والخمسون: مواساة ربّانية


نشرت منذ سنة القراءات:401

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

في هذا العالم المتلاطم بالأحداث الجِسام، معظمُ أيامنا حالياً باتتْ متشابهة، كئيبة، باهِتَةً، مليئة بالهَمّ والحَزَن والكدر. فلا يكاد يمرّ يوم دون شعور بحزن يأكل القلب، وتبلدٍ في المشاعر، وضياعٍ للوقت بدون فائدة. والكلُّ يتسائل ما الحل؟ وما المخرج؟ وكأننا لم يمرُّ علينا مثالاً كثيرَ الشَّبَه بحالنا!

إنّ أمةً أخرجها اللهُ مما هو أشدُّ من حالنا بُؤساً، وليلها أكثر من ليلنا حُلكَةً كان خلاصها بما هو بين أيدينا، ومجدُها بما يملك كل واحد فينا، لكننا أهملناه... إنّ الملجأ الوحيدَ والركن الشديد والحصن الحصين من هذا كله هو كتاب الله، الذي تُخاطِب من خلاله ربك وخالقك. فعندما تشعر بكلّ هذا الضّيق والجزع سارع إليه، فهو يُندايك لتُسرع "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم"، فإن فيه "مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ". انطلق نحو ركُنك الخفي البعيد عن أعين البشر، واطلب منه سَكِينَةً وطمأنينةً وسلامًا. اجلس مع الله وَحدَك واجعل صِلة الوصل بينك وبينه دعواتُ ذلٍ وافتقارٍ إليه، ناجِهِ وتوسَّل وألحّ عليه بالدعاء، فكلما طرقتَ بابه أكثر، اقترب موعد فتحِهِ أسرع.

تَقَرَّب إليه بكلامه، افتح مصحفك وابدأ ترتيل آياته وتدبَّر كلماته، حينها ستشعر بلذةٍ عظيمة وانشراح وهدوء، تفكّر بعظيم خَلقِه، وكيف أنّه تَكَفَّلَ بهم وبرعايتهم ورزقهم، فهو أحنُّ من الأم على رضيعها. فَمَن أَخرجَ يونس من بطن الحوت مع استحالة نجاته قادرٌ على إخراجك من هذا الذي تجده كله. ومن نجَّى موسى من اليمِّ وبَطشِ فرعون قادرٌ على إخراجك من هول الهمّ وبطش القدر.

ولا تنسَ الذِّكرَ الذي كان سببًا في معجزة سيدنا يونس عليه السلام، وهو قوله مناجيًا ربّه: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، فلنرددها دوماً لنتذكر أننا ظلمنا أنفسنا حينما يئسنا من فرج الله ورحمته وعفوه وغفرانه لنا، اللهم اغفر لنا إسرافنا في أمرنا واغفر بُعدنا عنك وعن كتابك الذي حال بيننا وبينه شهواتُنا وهواتفنا وأعذاراً اختلقناها لنبرر تقصيرنا. أنزلتَهُ إلينا وجعلتَهُ بِلُغتنا ويَسَّرتَه لنا لكننا اخترنا البُعدَ والهُجران.

كان علينا في كلِّ إنكسارٍ وعثرةٍ أن نَهرَعَ مُسرعين إليك ياالله، لكننا اكتفينا بالبكاء والنحيب على حظِّنا العاثر وقِلّةِ حيلتنا وهواننا على الناس. فلنعاهد أنفُسَنَا مِن الآن وصاعداً ألاّ يَمرَّ يوماً دون وِردٍ منه يُبهِج قلوبنا، ويمدّنا بالقوة لمواجهة هذا العالم، ولنَحتضنَ هذه الدّعوة بين دعواتنا لعل الله يجعلنا بها من أهل القرآن وخاصته، ولندعوا دوماً بأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا، ومؤنسنا في وحشتنا، ورفيقنا في دروبنا، ومرشدًا لنا لطريق الحق والصواب ونوراً لنا في عتمة هذه الأيام.

الكاتبة: جورية داوود الكيال/ من سوريا


ذات صلة