مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الثانية والعشرون يَفِرُّ منهم ولا يَفتدي بهم


نشرت منذ سنة القراءات:310

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


يقول الباري عزَّ وجلَّ واصفًا لنا هَولَ العذاب الأليم والمشهد العظيم في اليوم الآخر، عندما يبدأ الحساب، وتتطاير الصحف، منها بالشمال ومنها باليمين،  ويحار المرء أين يفر بوجهه من أقرب الناس إليه، أخيه، وزوجته، وبنيه، بل حتى أنه يواري ويهرب من أمه وأبيه، حياء أو خوفًا من الجزاء. ﴿یَومَ یَفِرُّ ٱلمَرءُ مِن أَخِیهِ (٣٤) وَأُمِّهِۦ وَأَبِیهِ (٣٥) وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِیهِ (٣٦) لِكُلِّ ٱمرِئ مِّنهُم یَومَئذٍ شَأنٌ یُغنِیهِ (٣٧)

يقول البقاعي في نظم الدرر: "اشْتَغَلَ كُلٌّ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَراغُ ما لِغَيْرِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ أيِ الَّذِي هو أعْظَمُ الخَلْقِ مُرُوءَةً: ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْفِرارِ، قَدَّمَ أدْناهم رُتْبَةً في الحُبِّ والذَّبِّ فَأدْناهم عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي، وأخَّرَ الأوْجَبَ في ذَلِكَ فالأوْجَبُ  فَقالَ: ﴿مِن أخِيهِ﴾ لِأنَّهُ يَأْلَفُهُ صَغِيرًا وقَدْ يَرْكَنُ إلَيْهِ كَبِيرًا مَعَ طُولِ الصَّحابَةِ وشِدَّةِ القُرْبِ في القَرابَةِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ في غايَةِ العِزَّةِ".

وفي ذلك اليوم العظيم لا مكان لأن يطلب أخ من أخيه ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فلا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ. وفي ذلك اليوم "یَومَ تَكُونُ ٱلسَّمَاۤءُ كَٱلمُهلِ (٨) وَتَكُونُ ٱلجِبَالُ كَٱلعِهنِ (٩) وَلَا یَسئلُ حَمِیمٌ حَمِیماً"، يحصل ذلك الفرار، وعدم السؤال أو الاكتراث،  وقد يقع لكل أحد؛ حتى أنه لو استطاع أن يُقدم فدية عن نفسه لخلاصها لَقَدَّم، ومن أحب الناس إليه فيفتدي بأبنائه، وزوجته، وإخوانه، وقومه الذين ينتمي إليهم "يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)"، ومع كون أمه وأبيه من قومه ضمنًا، لكن لم يخصهما النص بالذكر. فلا يليق بالابن -وإن كان مجرمًا- أن يفتدي نفسه بوالديه.

وأنت أخي المسلم بشرٌ، قد تكون غاضبًا فتذهب من عند أبويك، وقد حدثنا الله عز وجل عن نبي ذهب مغاضبًا، وهذا حال بشري قد يقع. قد تغضب فتفر من أبويك ساعة أو ساعتين يومًا أو يومين وقد تكون عاتبًا تتدلل عليهما، فتحتجب عنهما وتفر منهما. لكن من المستحيل -مهما كان قلبك قاسيًا، وطبعك شئزًا جافيًا، وسجلك مجرمًا، وعقلك جاحدًا- أن تقاطعهما وتعتبر نفسك محقًا أكثر منهما.

فبادر أخي إلى أبيك، باب جنتك ومخرجك من شقائك في الدارين، وسارع إلى قدمي أمك، حيث جنتك، ولاتفر منهما والتصق بهما خادمًا مطيعًا، فتنجو في دنياك وآخرتك بإذن الله تعالى.

بقلم الأستاذ: مضر محب الدين/ من سوريا


ذات صلة