مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الثالثة والأربعون وقفات في ظلال قوله تعالى: "إلّا تنصروه فقد نصره الله"


نشرت منذ سنة القراءات:333

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


الحمد لله الذي أرسل محمدًا شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، والصلاة والسلام التامّين الدائمين الأكملين على من قَرَنَ اللهُ حُبَّه بحُبِّهِ، وجَعَلَ حُبَّه شرطًا للإيمان، وتوعد من قدّم شيئًا من المحبوبات بالطبع عليهما فقال: "قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ"، وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجميعن".

ومن علامات المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن تلتزمَ هَديَه، وتُقدِّمَ أمره، وتنصرَ سُنّته، وتَذُبَّ عن شريعته، وأن تبذلَ الغالي والنفيس بالدفاع عنه. وما كل ذلك إلّا لتُحقق أصلًا من أصول الإيمان، وتلتزم أمرًا من أوامر الرحمن. أمّا هو صلى الله عليه وسلم فَنَصرُ الله له آتٍ ومتحقق بك وبدونك، فهذا وعد الله في القرآن حيث قال: "إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ".

"إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ"، الفعل "تنصروه" في الآية فعل مضارع زمنُه هو الزمن الحالي، أما "نَصَرَه" فهو فعل ماضٍ، فهل يكون الشرط حاضرًا والجواب ماضيًا؟! الحقيقة أنّ المعنى في هذه الآية هو: إلّا تنصروه فسينصره الله. بدليل أنه قد نصره قبلَ ذلك. وهذا ليس جواب شرط، وإنما دليل الجواب، فحين يكون دليل الجواب ماضياً، فهو أدلُّ على الوثوق من حدوث الجواب، فحين دعاهم الله لينفروا فتثاقلوا، أوضح لهم سبحانه: أتظنون أنّ جهادكم هو الذي سينصرُ محمداً وينصرُ دعوته؟ لا؛ لأنه سبحانه قادر على نصره، والدليل على ذلك أن الله قد نصره من قبل في مواطن كثيرة كما يبين ذلك الشعراوي في تفسيره.

ولعل البعضَ يركن إلى أنّ الله ناصرٌ نبيَّه ومؤيده ومُظهر أمره وذلك واقع لا محالة، فيتكاسل عن الدفاع عن نبيّه ونصرته والذبّ عنه، وهنا نعيد ونؤكد أنّ نصرة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم ومسلمة، ومن ثم فإنّ نصرة النبي صلى الله عليه وسلم علامة على إيمان العبد المؤدي إلى المغفرة والرزق الكريم، قال تعالى: "وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا  لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ". وكذلك فإنّ نصرة النبي صلى الله عليه وسلم علامة على صدق العبد، قال تعالى: "وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ"، وأخيرًا فإن دفاعك ونصرتك للنبي صلى الله عليه وسلم دليل على فلاحك، حيث قال تعالى: "فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".

وأختم بتنويه إلى أنّ حبّ النبي صلى الله عليه وسلم ليس وسيلةً لنصرته ومواجهة الإساءة إليه بل هو شرطٌ وأصلٌ للإيمان به، ومن بعد ذلك تتعدد الوسائل وتتنوع في مواجهة الإساءة إليه من التعريف به وتدريس سيرته، وتربية الأبناء على هديه والاقتداء بسنته، إلى حملات المقاطعة بكافة صورها وأشكالها وما إلى ذلك من وسائل على مستوى الأفراد والشعوب والحكومات.

بقلم الدكتور: بلال سلهب/ من فلسطين


ذات صلة