مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الخامسة والخمسون: مرافئ الأُنس والنّور


نشرت منذ سنة القراءات:322

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


 هو حضن وعكّاز وعزاء ومواساة، وأحياناً كثيرة ضمّاد لجروح كثيرة لا يراها النّاس، ويحدث أن تقرأ آية فيه؛ فتحتضنك كما لا يمكن لأيّ ذراعين احتضانك، وتُسندك كما لا يمكن لأيّ عكّاز إسنادك، وتُعزّيك كما لا يمكن لأيّ كلام عزاءك، وتُواسيك كما لا يمكن لأي قول مواساتك... فآياته نورٌ يتوهجّ، لكنّ الحاجز الذي يلفّ القلوب القاسيَة يمنع نفاذ ذاك النّور إليها كي تتوهّج هي أيضا. فبقدر تعظيمك له؛ تكن عظيما، وبقدر تفرّغك له؛ يعطيك، أقبِل عليه بكلّك؛ يعطيك كلّه، فهو عزيز؛ لا يَقبل أنصاف القلوب.

       هو ليس لتُتقنه الحناجر، وتعلو به الأصوات، وتترنّم به الأسماع؛ إنّما ليوقظ الضّمائر، ويصلح السّرائر، ويُحرِّك القلوب، فلنا فيه في كلّ حالٍ عِظَة، وفي كلّ حزن سَلوى، وفي كلّ مَثَلٍ عِبرة.

       هو كتاب اللّه المقروء، تقرأ فيه آياته التي تراها في كتاب اللّه المفتوح (الكون)، كلّها آيات تدلّك على اللّه، تعرف بها ربّك، تتعلّم منها دينك، ترتّلها في ليلك، وتأنَس بها في غُربتك.

      "لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ"؛ فكيف بقلوبٍ حيّة وَعَت القرآن وعاشت مع آياته، واتّخذته مُرشِداً ومُعلّماً، إنّ تلك القلوب؛ قلوبٌ وَجِلة خاشِعة، تستقبِل ما نزل عليها من الحقّ بطمأنينة ورضا، وتمضيِ مستمسكة به تَشدّ بآياته على إيمانها في زَمَن الضّياع.

       امضِ على خُطى المُصطَفين و"خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ" حفظاً وعملاً وتعليماً، لتبلغ درجة الأُنس والقُرب من الحضرة الربّانيّة والدّوحة القرآنيّة، وتستظلّ بظلّها الوارف فيفتَح الله لك حينها أبواب الفهم، ويُعلّمك من أسرار القرآن ويشرح صدرك بأنواره.

        واحذَر أن تكون ممّن "اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا" فتضيق بك الحياة ولو اتّسعت لك الدّروب، وتغيبُ عنك بركات الرّحمن وهدى القرآن، ويعتلّ قلبك اعتلالا تزيده الغفلة وفتن الحياة وشواغلها، وتظلّ تصارع الحياة، ولا نراك مع كتاب الله إلا مثل الضّيف الخفيف لا يُعرّج عليه إلّا إذا جاء شهر رمضان كنوع من العادة لا أكثر! فتخسر بذلك نفسك "أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ".

       وتذكّر؛ "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ" إنّه ميّسر لِمَن أراد أن يتّخذه تَذكِرة في حياته "فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ"، فهو يحنّ إليك، ويشكو غيابك عنه، بل ويشكو غربة روحك عنه حينما تقرأه فقط لتُنهي وِردك. إنّ ما بين يديك هو كلام الله، والله لا يَهَب كلامه إلا للكرامِ عليه، من وَهبوا للقرآن قلوبهم وأعمارهم، فجعلوا له الأولويّة في حياتهم، وأولئك هم أهل الله وخاصّته، من جعلوا الملأ الأعلى وَصْلَهم، وعلّقوا قلوبهم بالله تعالى، فاتّخذوا القرآن منهجاً وأقبلوا عليه يتدارسونه ويعلّمونه. إنّ قلب حامل القرآن يمضي إلى اللّه بين خوف ورجاء؛ فاجعل الخوفَ من مقام الله دافعاً، والرّجاء بنيلِ رضاه مُحرّكاً، وارفع يديك متبتّلا، وقل يا ربّ ارفعني بالقرآن، واجعله حُجّة لي يوم القيامة، وأكرمني بمحبّته وصحبته في الدنيا، وآنسني به في موتي، وشفّعني به في الآخرة.

الأستاذة: سلمى مسعود صراوي


ذات صلة