مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الخامسة والأربعون وقفة مع قوله تعالى: "إنا لله وإنا إليه راجعون"


نشرت منذ سنة القراءات:415

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


في سفر الحياة -حيث سِكَّة القطار تمضي دون توقف، وعَدّاد العمر لا يُمهل أحدًا- في زحمة الطرقات، في وسط الجموع، بين ضجيج هذا العالم، نحن الآن.

ثم فجأة وكأنها ضغطة زر أوقفتْ كل شيء، فلا عدت تسمع الضجيج، ولا ترى الجموع، ولا تضيق بزحمة الطريق، هو خط النهاية إذن. شريط الحياة تراه أمام عينيك كأنه ساعات بل أقل، يا إلهي كم لبثنا؟

دقت ساعة العودة بعد الغربة، يا قلب ما أسعدك، وكأنّ الروح ساجدة شكرًا على إتمام الرحلة بالسلامة "إِلَّا مَن أَتَى ٱللَّهَ بِقَلبٍ سَلِیمٍ"، يا ملائكة الرحمن استقبليني، قد انتهى كل ألم وشتات، ريح الجنة -موطني- تقترب، نفسي الفداء لريحها وعطرها وأهلها ورفقتها، نفسي الفداء للحظةٍ ترى فيها هذه العينان خالقها، أما لولا أنّ الله وعد المؤمنين برؤيته في الجنة لما صدَّقتُ أنّ هذه العينين قادرة على رؤية خالقها، لما صدَّقتُ أني أنا الإنسان المخلوق الضعيف سأعيش لحظات كهذه، ففي الحديث عن جرير بن عبدالله البَجَلِيّ، قال: "كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ".

على الأعتاب أقف أنظر خلفي، وأتذكر... أتذكر انقطاع النَّفَس والعثَرات، أتذكر الصبر والدعوات، أتذكر الدموع التي سقطت، والعضد التي شُدَّت، والأكف الضارعات، أتذكر ما كان في دار الفناء، الحمد لله رب العالمين.

وها أنا أجلس بعد العودة إلى الديار الأولى، يحيطني الهدوء من كل جانب، إلا من صوت خرير ماءٍ وتدفق شلالٍ ونسمةٍ عليلةٍ تهبّ كل حين، أرى الخضرة مدّ بصري، والسلام يملأ قلبي، والصفاء في ذهني، وابتسامةٌ واشتياقٌ للقاء كل جمعة، أنا هنا في الجنة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، "وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ" لك الحمد ربنا عدد ذرات الوجود، وعدد كل معدود من بداية الخلق إلى حيث لا نهاية في النعيم أو العذاب.

هذا خيال سرحت فيه، علّه يكون حقيقةً ذات يوم، فإن كان فاللهم برفقة نبيك وأحبابك وأصحابٍ لا تطيب الجنة دونهم، وإن لم يكن فاللهم رحمتك وسعت الحجر والشجر، فاشملني بها واعف عن جرأتي على العصيان، فأنا المخلوق الضعيف وأنت قيوم السماوات والأرض. وصَدَقَ الرافعي لما سُئل هل تكره الموت؟ فقال: لا، بل أكره ذنوبي، أما الموت فهو اكتشاف العالم الأكبر.

إنّا عبيدٌ لله، مماليكٌ له، وإن طال بنا العمر، في سرائنا وضرائنا، وفي شدتنا ورخائنا، هذه الحقيقة تريحنا، تملأ داخلنا اطمئنانًا وسكينة، تجعل أُنسنا بالله يفوق كل شيء، تشعرنا بالسعادة والرضا، وتُبقي شوقنا حاضرًا للحظة يُنادى فيها أنْ "يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي"، ثم "سَلَـٰمٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى ٱلدَّارِ".

بقلم: فاطمة خالدي/ من فلسطين


ذات صلة