مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الرابعة والثلاثون أكل السُّحتِ ومفهومه في القرآن الكريم


نشرت منذ سنة القراءات:351

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


السُّحتُّ: بضم السين وسكون الحاء- الشيءُ المسحوتِ، أي المستأصل.  يُقال:  سحتَهُ إذا استأصله وأتلفه. وسُمِّيَ به الحرام لأنه لا يُبارَك فيه لصاحبه، فهو مسحوت وممحوق.

وهو – وإن كان يشمل كل مالٍ حرامٍ من ربا وميسرٍ وغيرهما – إلا أنَّ عددًا من المفسرين فسَّره بالرِّشوةِ – وهي مثلثة الراء -، منهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وهذا التفسير منه رضي الله عنه لا يقتضي التخصيص؛ لما تقرر أنَّ ذكر بعض أفراد العام لا يقتضيه، وإنما هو من باب المثال.

وتفسيرُ السُّحْتِ بالرشوةِ يدلُّ على أنَّها صفة لصيقة باليهود في قوله تعالى في وصفهم: "أكّالون للسحت"، ويدلُّ ذمُّ القرآن الكريم لها على قبحها وشناعتها.

والرشوة هي: ما يُبذلُ للقاضي ليحكم بغير الحق، أو ليمتنع عن الحكم بالحقِّ، وكذلك: ما يُعطى لغير القاضي ليحمله على ما يريد.

إنَّ انتشار الرشوة يقتضي انتشار الفساد؛ إذ حينها ستجدُ طبيبًا فاشلًا يعالج المرضى، ومهندسًا فاشلًا يخطط ويعمر، واقتصاديًا فاشلًا يتناول قضايا المجتمع، ومعلمًا فاشلًا يُخرّج فئاتٍ من الأمةِ يلبسون ثياب الفشل، فانتشارها يعدُّ من أكبر عوائق نهضة الدول النامية، ويؤخر نموها وازدهارها.

ولما كانت العاقبة كارثية على المجتمعات، سلكت بعضُ الدول مسلكًا متشددًا في عقوبة جريمة الرشوة يصل إلى الإعدام أو السجن مدى الحياة.

ومن أسباب انتشار الرشوة ضعف الرقابة الذاتية والإدارية، وإلا فمن عظُمَ خوفُهُ من الله عزّ وجلّ لا يرضى بقليلِ دراهمَ يستوجبُ بها اللعن، ففي الحديث: "لعن الله الراشي والمرتشي"، أخرجه الإمام أحمد في مسنده.

وإذا قامت أجهزة الرقابة بدورها تضاءلت الرشوة واختفت، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاسب عمَّالهُ، وقال لابن اللُّتبية - الذي بعثه على الصدقة فلما قدم قال: (هذا لكم، وهذا لي) -: "ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليَّ؟‍‍‍‍ ألا جلس في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا‍‍‍‍‍‍!! والذي نفس محمد بيده، لا نبعث أحداً منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، فرفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه فقال: اللهم هل بلغت ثلاثاً" أخرجه البخاري ومسلم.

وروى الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: "هدايا العمال غلول"، أي: ما أُهدي بسبب الوظيفة والعمل. وينبغي أنْ يُنبَّهَ إلى أنَّ ما يُدفع لحملِ القاضي على الحكمِ بالحقِّ أو للتوصل إلى حقٍّ ليس من الرشوة المحرمة، فهو جائز من جهة الدافعِ لا من جهة الآخذ.

بقلم الدكتور: لبيب نجيب/ من اليمن


ذات صلة