مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة السابعة والخمسون: غبار المصاحف


نشرت منذ سنة القراءات:339

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


كان ذلك هو المشهدُ الأصعبُ والأكثرُ تأثيرًا منذ سنينَ طويلة، وأظنُّ أنني لم أَعِش قساوةً كهذه أبدًا.

 بَعدَ تراكماتٍ من اختلاق الأعذار بالأشغال والدراسة، وبَعدَ غيابٍ طويل، وأَظُنُّهُ كان الهَجْر الأكثر إيلامًا لي وللقرآن الكامِن بين ضلوعي، وجدتني أقفُ إلى جانب رفٍّ كاملٍ من المصاحف التي لم أعتَد القراءةَ منها، وإنما كنت أُفضّل المميزة منها باللون أو الخط أو غير ذلك، وفوقها كلها وجدت المصحفَ الصغيرَ الملون بالمواضيع والذي كان لا يفارقني.

 وجدتُني أمسحُ غبارًا تراكم عليه بيدي ودمعة غافلتني فبلَّلَت وجنتي وصفحاته، شعرتُ بغصّة كبيرة في صدري، قرَّبتُ المصحف إليّ واحتضنته بين ضلوعي بشدة وبكيت بحرقة وأخذت أستغفرُ بكثرة كالذي ارتكب ذنبًا، وإنه لذنب عظيم أنْ أهجُرَ القرآن حتى يتراكم غبارُ الأيام عليه!

 أمسكتُ به وجلستُ في مكاني أرضًا، فتحتُ الصفحة الأولى وبدأت أتلو سورة الفاتحة، بخشوع تام ودموع حارّة، ما زلت جالسةً في مكاني حتى وجدتُ أنني أنهيت الصفحات العشر الأولى من سورة البقرة، ووصلت قوله تعالى: "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة"، فشعرتُ حينها أنني من أولئك الذين قست قلوبهم، نهضتُ واستقبلتُ القبلةَ وشرعت في صلاة بدأتُ تلاوتها من سورة الفاتحة وأنهيتُها بقوله تعالى: "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، سجدت بثقل همومي وظَلَلتُ ساجدةً أستغفر حتى شعرت بخفّة في روحي، ومن تلك اللحظة التي كانت الأكثر تأثيرًا أخذتُ عهدًا على نفسي أن لا أهجر القرآن ما دمت قادرة على إمساكه بين يدي وتلاوته، وإن ضاق بيَ الحال وتعذرت الظروف أستسلم إلى سماعه، وإن عجزت في تلك اللحظة أُردده في صدري، فكانَ الهدفُ الأسمى أن لا يضيع نهاري سُدى، فاليوم الذي تقل فيه تلاوتي ولو آية واحدة أشعر بأنني لم أنجز في نهاري شيئًا، فأساس يومي كانت تلاوتي.

منذ تلك اللحظة التي وضعت فيها وردًا يوميًا لنفسي لقراءة ما استطعت من آيات القرآن وحفظ ما استطعت منه كذلك، وأنا أشعر بأن حياتي تسير بشكل أكثر نظامًا، أشعر بعقلي أكثر نشاطًا، تقييم دراستي ارتفع، ولم أشعر بثقل له في يومي، بل إن الساعة التي كانت مخصصة له كانت الأفضل، أشعر بأنني أهرب من ثقل الحياة وضغوطاتها إلى صفحات عظيمة فيها أعظم آيات، حتى أنه أثر في حياتي الاجتماعية وتواصلي مع مَن حولي، ساعدني بأن أكون أكثر بلاغةً في الحديث، أكثر ثقة، وأكثر التزامًا في كل المواقف.

 بدأتُ المحاولة في تطبيق ما فيه من أحكام، بدأتُ أتخلّق بأخلاقه والتي هي أسمى ما يكون، أشعر برضا الله من توفيقه لي، ومن رضا والديّ ومن حولي عني، فالحمد لله الذي وفقني إلى الالتزام بآياته، والحمدلله الذي هداني وأصلح حالي وثبتني على ما هو خير لي في دنياي وآخرتي.

الكاتبة: سديل سفيان غنام/ من فلسطين


ذات صلة