مدونات

خواطر الصفا القرآنية

الخاطرة الثانية والأربعون في ظلال قول الله عزّ وجلّ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"


نشرت منذ سنة القراءات:286

خواطر الصفا القرآنية: هي عبارة عن مجموعة من الخواطر التي تعالج بعض القضايا العلمية، والإيمانية، والتربوية، من منظور القرآن الكريم. ويشارك في كتابتها ثلة من العلماء والباحثين والمثقفين.


في كل ركعة من ركعات الصلاة نردد قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، والعبادة مِن الذُّل والخضوع والانقياد. وفي الشرع: هي ما يجمع خصال الحب والخضوع. وحياتنا اليومية تدور كلها في دائرة العبادة لله تعالى، ونحن بحاجة دائمةٍ إلى الاستعانة به في كل أمورنا. ومن هنا فإن الواجب على كل مسلم أن يتدبر في هذه الآية التي يُرددها دائمًا في الصلوات وخاصةً في وقت الشدائد والأزمات. حيث لا يمكن الاستغناء عن الاستعانة بالله في جميع أحوال الإنسان سواء كانت في السراء أو في الضراء، فلا نجاة لنا إلّا بعبادته حق العبادة، والاستعانة به حق الاستعانة.

 والأصل أن تكون هذه الاستعانة بالله، فهي طلب العون من الله، وقد تكون الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه، فالاستعانة هي طلب العون؛ لإزالة العجز. وهناك عدة فوائد في هذه الآية الكريمة، والتي منها: المقصد من تقديم العبادة على الاستعانة؛ لأنها مقصودة والاستعانة وسيلة وهو من تقديم الأهم على المهم.

إياك نعبد: أي أن نخصه وحده سبحانه وتعالى بالعبادة والتوجه إليه والاعتماد عليه في جميع الأمور. الكل يقول: إياك نعبد وإياك نستعين، حتى وإن كان المصلي فردًا؛ وذلك لاستشعار مقصد أهمية الجماعة في حياة الفرد. واستشعار العبادة والاستعانة بالله يقصد بها: أن لا خضوعَ ولا ذلَّ إلّا لله. إياك نعبد حقيقي، والقصر في إياك نستعين ادعائي؛ فإن المسلم قد يستعين بغير الله كما في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}.

وإياك نستعين: توضيح عجز الناس عن القيام بشئونهم بدون الاستعانة بالله، وحصر الاستعانة بالله، فلا يمكن الاستعانة إلّا بالله فيما يعجز عنه البشر، وهنا نجد أن الناس على أربعة أنواع: نوع لا يعبد الله ولا يستعين به، ونوع لا يعبد الله ويستعين به، ونوع يعبد الله ولا يستعين به بل يلجأ للناس فقط، ونوع يعبد الله ويستعين به، فلنكن من النوع الرابع. فالحكم في هذه الآية هو وجوب العبادة والاستعانة بالله، فقد ثبت أنّ هذه السورة منقسمة بين الله وبين عبده، وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة فـ: {إياك نعبد} مع ما قبله لله، {وإياك نستعين} مع ما بعده للعبد وله ما سأل.

 وتنقسم الاستعانة إلى استعانة بالله، واستعانة بغيره. فالاستعانة بالله سبحانه وتعالى مطلوبة في كل شيء: مادي مثل قضاء الحاجات كالتوسع في الرزق، ومعنوي مثل تفريج الكروب، لقوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين}. وكما  في قوله تعالى: {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا}، وقد تكون الاستعانة بالمخلوق واجبة عند الاضطرار، كما لو وقع في تهلكة وتعينت الاستعانة بهذا المخلوق طريقًا للنجاة. وهكذا نتعلم من الآية الكريمة أهمية العبادة والاستعانة بالله دائمًا في كل أحوالنا.

بقلم الدكتور: ياسر طرشاني/ من مصر


ذات صلة